الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
77
نفحات الولاية
والغد عن اليوم والعلم التام بجزئيات اليوم بمعنى العلم التام بالحوادث الماضية والمستقبلية . فإذا التفتنا إلى هذه الحقيقة وهو أنّ اللَّه سبحاه المصدر الأصلي لجميع حوادث الأمس واليوم والغد وأنّ له العلم بذاته المقدسة ، فان علينا أن نقر بأنّه عالم أيضاً بحوادث المستقبل والحاضر والماضي . وبالطبع فانّ آثار كل موجود مهما كان إنّما تتبع إرادة اللَّه وأمره ، إلّاأنّ سنته جرت في منح الموجودات القدرة على القيام بفعاليتها ، فإذا شاء جردها منها . « 1 » 2 - الإجابة الثانية التي يمكن إيرادها في هذا المجال أنّه يمكن لعلمنا تصور الأمس واليوم والغد ، وذلك لأننا موجودات محدودة . أمّا بالنسبة للَّهالذي لا حدد لذاته فليس هنالك من مفهوم للأمس واليوم والغد لديه ، بل إنّ كافة الأشياء والحوادث حاضرة عنده بجميع جزئياتها وخصوصياتها . ويمكننا الاستشهاد بمثال على هذا الكلام : افرض أنّ هناك فرداً في زنزانة مظلمة ليس لها سوى نافذة صغيرة على الخارج . فإذا مرت قافلة من الجمال من هذه النافذة فإنه سيشاهد في بداية الأمر رأس وعنق جمل واحد ثم يرى رجليه وذنبه ومن ثم سائر الجمال في هذه القافلة . فصغر النافذة هو الذي يشكل السبب الذي يجعله يعيش حالة من الماضي والحاضر والمستقبل ، بينما يختلف هذا الموضوع تماماً بالنسبة لذلك الفرد الواقف على سطح في محيط مكشوف خارج تلك الزنزانة وينظر إلى الصحراء ، فهو يرى قافلة الجمال معاً خلال حركتها .
--> ( 1 ) إنّ من أورد هذا الجواب لحل الإشكال المذكور قد واجه هذا السؤال : وهو أنّ لازمة هذا الكلام أنّ ليس للَّهمن علم بكثرة الموجودات بوصف الكثرة قبل وجودها ، لأنّه ليس هنالك من كثرة في ذاته ، أو بتعبير آخر ، أنّ علمه متفاوت بالموجودات قبل وجودها وبعده : فقد كان سابقاً على نحو العلم الإجمالي ، ولاحقاً على نحو العلم التفصيلي ، والعجيب أنّ بعضهم قد اعترف بهذا التفاوت .